أحمد بن يحيى العمري
40
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
في عدم مساواته ؛ وهو مادة أهل الأدب ، والذي ينسلون إليه من كل حدب ، إلا أنه لم يقدر أن يكون مكلّفا ، ولا استطاع أن يكون لغير أمالي خاطره متلقفا ؛ وهذا مذهب غير مذهب كتاب الإنشاء المكلفين اتباع غرض غيرهم ، حتى يقسروا خواطرهم على ذلك ؛ على أن الرجل فضله عظيم ، ومثاله الدهر به عقيم ، وقدره جليل ، ونظيره قليل ؛ منبع الفضائل ونبعتها ، وصيت الفواضل وسمعتها ؛ توقته الأعداء سماما ، وألقته الأولياء سهاما ؛ وكان معدن [ كلّ ] نائل ، وموطن كل طائل ؛ باري غرب يريش ويبري ، ويجيش قليب خاطره ويجري ، أبرز مالم يستطعه الأوائل ، وأحرز قصبات السبق على كل قائل . وكان « 1 » سبب وضعه لمقاماته ، ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله ، قال : كان أبي جالسا في مسجده ببني حرام ، فدخل عليه شيخ ذو طمرين ، عليه أهبة السفر ، رثّ الحال ، فصيح الكلام ، حسن العبارة ؛ فسألته الجماعة من أين الشيخ ؟ فقال : من سروج « 2 » ؛ فاستخبروه عن كنيته ، فقال : أبو زيد ؛ فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثّامنة والأربعون ، وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت ، فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنو شروان بن خالد القاشاني « 3 » وزير المسترشد [ بالله ] « 4 » ؛ فلما وقف عليها أعجبته ، وأشار إليه أن يضم إليها غيرها ، فأتمها خمسين مقامة ؛ وإلى الوزير المذكور أشار الحريريّ في الخطبة : فأشار من إشارته حكم ، وطاعته غنم ، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع « 5 » .
--> ( 1 ) من هنا نقلا عن ابن خلكان ، والزّيادات منه . ( 2 ) سروج : بلدة قريبة من حرّان ، من ديار مضر . ( معجم البلدان 3 / 216 ) . ( 3 ) كان نبيلا فاضلا ، جليل القدر ، له تاريخ لطيف ؛ توفي سنة 532 ه . ( وفيات الأعيان 4 / 67 ) . ( 4 ) المسترشد بالله : الفضل بن المستظهر بالله ، أبو منصور ؛ بويع له بالخلافة سنة 512 ه وقتل سنة 529 ه . ( تاريخ الخلفاء 509 ) . ( 5 ) بديع الزمان الهمذاني ، صاحب المقامات المشهورة .